Tag / قراءة_التاريخ

مهارات

القراءة في الزمن الطويل

تراكمت أحداث التاريخ خلال فترات زمنية متصلة، أنتجت كمًا كبيرًا من المعرفة التاريخية؛ ومع تطور علم التاريخ وتقنينه المنهجي، قُسِّمَ التاريخ إلى فترات وحقب متتالية؛ لتسهيل دراسته أمام المتخصصين وفق أطرٍ زمنية لها سمات مشتركة. ومن المعروف أن المتخصص في التاريخ يبدأ بدراسة خلاصة عامة للتاريخ، ثم يتخصص في فترة تاريخية محددة، وتدريجيًا يضيق نطاق التخصص ببؤرة اهتمام أكثر تركيزًا تتيح للباحث الكشف عن تفاصيل الفترة التي يدرسها.

ورغم أهمية التخصص، إلا أنه لا يعني أن ينعزل دارس التاريخ وراء جدران المقررات المحددة، أو التخصص الدقيق، فمن المهم أن يعزز الصلة العلمية والمهنية مع تخصص التاريخ بمنظوره الأوسع.

ومن الأساليب التي تعين في توسيع مجال المعرفة التاريخية: القراءة الحرّة وفق استراتيجية الزمن الطويل. ويقصد بالزمن الطويل، الفترات التاريخية التي تمتد عبر فترات زمنية طويلة لقرن أو أكثر، ويعرفه البعض بأنه زمن الحركة التاريخية على مدى طويل يمتد لعدة قرون.

القراءة الواعية للأحداث على مدى الزمن الطويل تساعد في توسيع الخبرة التي تنمّي مهاراتك وقدراتك

وينتج عن اتباع هذا الأسلوب والمواظبة على تطبيقه اكتساب دارس التاريخ لمهارات عديدة تنعكس على فهمه للتاريخ؛ ومنها: القدرة على التعامل مع السلسلة الزمنية الممتدة واستيعابها، والتمكن من تجاوز التتابع الضيق للأحداث، والارتقاء إلى مستوى أعلى يمكن من تتبع التطورات الأبرز التي أثرت في مسيرة الأحداث التاريخية، كما ينمي هذا الأسلوب فهم الظواهر التاريخية، ويظهر أوجه الاختلاف والتشابه بينها. ويعزز مهارات الربط، والمقارنة والترتيب، وهي مهارات لا يستغني عنها الباحث.

قراءت

قراءة لكتاب مفهوم التاريخ لعبدالله العروي

أستعرض معكم اليوم كتاب #مفهوم_التاريخ للدكتور عبدالله العروي، والكتاب يهم الباحثين في التاريخ ومناهجه، والرؤية الحديثة لمصادر التاريخ، وتفسيره. والنسخة التي ستستعرضها التدوينة اليوم هي النسخة الصادرة تحت عنوان: الأعمال الكاملة، مفاهيم، مفهوم التاريخ، ونشرت في عام 2017 عن المركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء، في المملكة المغربية في 512 صفحة.

يتناول المؤلف التاريخ من زاوية كونه علمًا وصناعة، وليس التاريخ كمجموع حوادث الماضي، ويؤكد أن هدفه من الكتاب هو:

“وصف ما يجري في ذهن رجل يتكلم عن وقائع ماضية، من منظور خاص به، تحدده حرفته داخل مجتمعه”.

يهدف الكتاب إلى إيصال رسالة، وهي أن التاريخ لا يهم المؤرخ وحده، وإنما يهم المجتمع ككل

قسم الكتاب إلى جزءين، إضافة إلى جزء خاص بالمراجع والفهارس. احتوى الجزء الأول، وعنوانه الألفاظ والمذاهب على مدخل، وأربعة أقسام، هي: تساؤلات تمهيدية ناقش فيها تصوره للتاريخ، والمؤرخ، ثم انتقل إلى القسم الثاني وعنونه بـ: مفاهيم، استعرض فيها المقصود بالحدث، والشواهد، والنقد. أما القسم الثالث، تاريخيات، فخلال عشرة فصول استعرض المناهج والمقاربات العديدة لدراسة التاريخ، ثم ناقش في القسم الرابع المنهج الإسلامي في دراسة التاريخ، وناقش كذلك الاستشراق وانعكاسه على دراسة التاريخ الإسلامي.

في الجزء الثاني وعنوانه المفاهيم والأصول، يناقش منطق المؤرخ في خمسة فصول، ومنطق التاريخ في أربعة فصول، يؤكد خلالها على دور المؤرخ في مجتمعه، ويقدم خلاصة مفادها:

“أن التاريخ موحد نظريا، ونظريا فقط، يقول به ويعمل في ضوئه مؤرخ يعيش في مجتمع معين. التاريخ المشتت يتوحد في مفهوم، لكن المفهوم الواحد لا يلعب الدور نفسه في كل المجتمعات”.

ويؤكد على أن المؤرخ والتاريخ يؤديان دورًا مختلفًا في كل مجتمع، وذلك بناء على التفاوت القائم بين المجتمعات.

يختم المؤلف كتابه مؤكدًا ما ذكره في البداية، وهي أهمية التاريخ في المجتمع، فهو منبع التجديد إذا عمّ الجمود، وهو ضابط المحافظة إذا عمّ التغيير، ويرى أن التاريخ يواجه الخطر، وشرح ذلك قائلًا:

“… إنه دائمًا في خطر، خطر الذوبان في التقليد فيصبح محفوظًا غير مفهوم، وخطر الذوبان في حاضر يتطلع باستمرار إلى مستقبل متجدد”.

يفتح الكتاب العديد من النوافذ لمناقشة قضايا محورية في علم التاريخ، ودور المؤرخ، ومنهج قراءة التاريخ، وكتابته، وتقديمه والاستفادة منه في فهم الحاضر، واستشراف المستقبل. ويعطي الكتاب فرصة للباحث في التاريخ أن يراجع ذاته، ويراجع منهجه، ويطرح أمامه تساؤلات مهمة عليه التفكير فيها قبل الشروع في البحث.

ويتميز الكتاب كذلك بالكم الكبير من المراجع العربية والأجنبية التي ناقشها المؤلف لتأكيد نظريته، وهي ذات فائدة كبيرة إذ أنها تحث القارئ على الرجوع إليها، للاطلاع والاستزادة، خاصة أنها كتبت باللغة العربية في جميع الاستشهادات، ووضعت بلغاتها الأصلية في قائمة المراجع.

الكتاب يضم مادة غزيرة وثرية، ولكن القارئ، في نظري، يواجه تحديًا يكمن في الأسلوب الصعب، والعبارات المعقدة إلى درجة تتطلب القراءة المتأنية، والتفكير مليًا خلال الانتقال بين صفحات الكتاب.

وباختصار

ينادي الكتاب بتجديد النظرة إلى التاريخ، وإزالة التداخل بين مفهوم التاريخ كحدث ماضٍ، ومفهوم التاريخ كعلم أصيل، له مناهج وقواعد ضابطة، يلتزم بها المؤرخ بشكل صارم.